محمد أبو زهرة

358

المعجزة الكبرى القرآن

والخسارة ، ولذلك كانت المضاربة الشرعية ، أو ما يسمى شركة مساهمة ، ومعناها أن يدفع المال لمن يستغله على قسمة الربح بينهما ، بأسهم شائعة ، كالثالث والرابع ، على أن تكون الخسارة على صاحب رأس المال ، وهو المبدأ الذي تقوم عليه الشركات المساهمة ، وإن هذا النوع هو الذي يتفق مع مبدأ التعاون الذي دعا إليه القرآن الكريم في قوله تعالى : وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ . [ المائدة : 2 ] وهذا غير الربا لأنه استغلال من جانب الرابى ، والعمل على غيره من غير أن يتعرض للخسارة ، وهو يؤدى إلى التنابز . وقد قرر المجددون من علماء الاقتصاد أن سبب الآفات ، التي تقع هو من نظام الفائدة ، وأن ذلك النظام سبب بقائه مع فساده ، وإدراك الناس لهذا الفساد أنه لا يوجد نظام يحل محله . 222 - وأخيرا ، نقرر أن النظام الاقتصادي في الإسلام لا يقوم على الربا ، بل إنه يناقضه ، لأنه يجعل صاحب رأس المال يكسب من غير عمل ، ومن غير تعرض للخسارة . وإن الذي يلاحظ أن العالم الآن يحكمه نظامان : أحدهما - يجعل رأس المال كاسبا ماديا دائما ، من غير أن يقوم صاحبه بعمل يتحمل تبعاته ، ويؤدى به خدمة عامة تنفع الناس ، وتمد الجماعة بالخير ، فعملهم في الحياة أن يملكوا رأس المال وغيرهم يعمل ويستغله كاسبا ، وخاسرا ، ثم يجيء إليهم المال رزقا رخيصا ، ليس مكسوا بجهد عامل . وثانيهما - نظام يلغى رأس المال ، ويجعل العمل وحده هو طريق في مصنع يصنع ، أو في حقل يزرع ، أو في أي عمل ينفع الجماعة . والنظامان يتناحران ، وقد يؤدى التناحر إلى أن يأخذ بعضهما من الآخر قليلا أو كثيرا ، أفلا يتسع الوجود الإنسانى في ذلك المضطرب لنظام يحترم رأس المال على أن يعمل فيه صاحبه يكسب من حلال وينتج ما ينفع الناس ، فيكون نعم المال الصالح في يد العبد الصالح ، ويمنع أن يكون كسب لأي مال من غير أي عمل وتحمل الخسارة ، أي أنه يمنع الكسب بالزمن إنما يكون الكسب بالعمل ، وبرأس المال الذي يعمل فيه صاحبه . ذلك هو نظام الإسلام الذي سينتهى إليه العالم إن عاجلا أو آجلا . ولو أن الذين يعملون في الاقتصاد من المسلمين يؤمنون بالقرآن كإيمانهم بنظم هذا الزمان لكانوا الدعاة إلى اقتصاد القرآن ، وعساهم يفعلون .